هل اكد القران الكريم حق الصغار في الميراث

ahmedm1
2021-06-19T21:24:29+03:00
تعليم
ahmedm1آخر تحديث : منذ شهر واحد
هل اكد القران الكريم حق الصغار في الميراث
وبحسب نص الآية 11 من سورة النساء ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾[4:11] فقد تم إشراك الأطفال والنساء في الميراث لأن المراد بالرجال الذكور مطلقا وبالنساء الإناث مطلقا.

ناول البحث بالدراسة مادة (ورث) في القرآن الكريم وفي لغة العرب وبين اتساع دلالات الميراث، لتشمل معان عديدة كوراثة العلم والكتاب والنبوة والجاه والمنزلة والمال والاستخلاف في الأرض ووراثة الجنة والفردوس.

وبعد بيان ما في الدلالات السابقة من سعة وشمول وتأصيل لمسؤوليات عظيمة تقع على عاتق العلماء والأمراء وأرباب المال وأولياء الأمور، توجهت الدراسة إلى سورة النساء وبينت ما فيها من موضوعات في غاية الأهمية وأظهرت ما في أكل أموال اليتامى ظلماً من الوعيد والتهديد والتنديد.

ولما لآيات المواريث الواردة في سورة النساء (11، 12)، (176) وما بعدها مما يتصل بها من تعقيب من أهمية بالغة عملت الدراسة على استخراج ما أمكن منها من جوانب الإعجاز البياني من حيث جزالة الألفاظ وغزارة المعاني ونحو ذلك.

مقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد فإن القرآن الكريم معجز كله يُشبه بعضه بعضا في الجودة والامتياز (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)[23: الزمر] وهذا الإعجاز تجده وعلى مختلف وجوهه في موضوعات القرآن المجيد كلها إن في العقيدة أو الشريعة أو في القصص… الخ وعلى درجة واحدة عالية.

أهمية البحث:

يعرض هذا البحث لمادة (ورث) في القرآن الكريم والتي يظهر من خلالها المسؤوليات الجسيمة المنوطة بالعلماء والأمراء من تحمّل لأمانة العلم والكتاب (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)[32: فاطر]. بل إن هذا التوريث الربّاني قد يكون ناموساً للمداولة بين أهل الحق والباطل: (فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ{57} وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ {58} كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ{59}) [57-59: الشعراء].

ولعمر الحق إن تلكم الأمانة الثقيلة المتصلة بالكتاب والحكم والاستخلاف… الخ هي الإطار للأمانة في سياسة الخلق وتوزيع الثروات وصيانة الحقوق لبنى آدم ذكراناً وإناثاُ، وحفظ أموال اليتامى… حتى جاء هذا العلم الشريف (علم الفرائض أو المواريث…) فكان وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، “فعن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموها للناس وتعلموا العلم وعلموه الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيفيض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يفصل بينهما”([1]).

وهذا العلم من أعظم العلوم قدراً، وأشرفها ذخراً، وأفضلها ذكراً، وهو ركن من أركان الشريعة، وفرع من فروعها في الحقيقة، اشتغل الصدر الأعظم من الصحابة بتحصيلها وتكلموا في أصولها وفروعها، ويكفي في فضلها أن الله تعالى تولّى قسمتها بنفسه وأنزلها في كتابة، مبينة في محل قدسه([2]).

نعم فالناظر في القرآن الكريم يجد أنه قد فصل في أحكام الميراث تفصيلاً يعز وجوده في أحكام أخرى من الشريعة السمحة، فالصلاة والصيام والحج لم تفصل أحكامها، بل جاءت مجملة وترك البيان والتفصيل فيها للنبي صلى الله عليه وسلم، ولتوضيح ما سبق انظر هذا التفصيل مثلاً في ميراث الأبناء والبنات. يقول الله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ…)[11: النساء] وهكذا وهذا إن دل فإنما يدل على جلالة شأن هذا العلم وشديد خطره إذ إنه متعلق بحقوق العباد من خلق الله. فنسأل الله السلامة.

ومع ذلك كله نجد سهاماً طائشة تحاول -عبثاً- النيل من أحكام الميراث الربانية، ولكنها مردودة حتماً إلى نحور أصحابها فقد قرر العلماء في كل بقاع العالم أن أعدل نظام للميراث هو نظام القرآن الكريم([3]).

الدراسات السابقة:

لا ريب أن كتب التفسير والفقه والأحكام كثر فيها الحديث عن آيات الميراث، ولكن المقصود ههنا إفرادها بدراسة تخصها وتمتاز بها عن غيرها، يبرز فيها الإعجاز البياني أو التشريعي أو كلاهما معاً.

ومن هنا وفي حدود إطلاعي وبحثي ظفرت بالدراسات والأبحاث الآتية:

1- الإعجاز البياني التشريعي في آيات المواريث([4]) للأستاذ الدكتور شحادة العمري، ويحسب لصاحبه أنه أول بحث ظهر في هذا المجال قبل غيره، بين فيه كثيراً من جوانب الإعجاز البياني والتشريعي، ودفع فيه ما ظهر من شبه الخصوم بأسلوب علمي محكم ولغة رصينة.

2- مقاصد التقديم والتأخير في آيات المواريث([5]) للدكتور نمر محمد الخليل النمر دأب الباحث فيه على إبراز المقاصد الشرعية وأسرار التشريع في تقديم وارث على آخر في الذكر أو في مقدار العطاء مع نقض الشبهات الواردة بإزاء ذلك.

3- الإعجاز التشريعي في المواريث([6]) للدكتور مازن إسماعيل هنية، بيّن كاتبه فيه ما سارت عليه أحكام المواريث من مراعاة للفطرة الإنسانية وحبها للمال ورغبتها في التملك وقدم بعد ذلك شواهد على توضيح ما في آيات المواريث وأحكامها من دقة بالغة وعدالة تامة.

4- الكلالة وميراث الأخوة لأم([7])، للدكتور محمد عبد الحليم سماره وهذا البحث وإن كان الهدف منه يختلف عما سبقه ولكنه في سرده لأقوال العلماء من لغويين ومفسرين وفقهاء في معنى الكلالة، خرج بنتائج طيبة وضحت ملامح جمّة من الإعجاز البياني والتشريعي.

وأجدني أمام الأبحاث المذكورة، والتي أفدت منها كثيراً وبخاصة أولها، في غاية التواضع، إذ ما الذي سأضيفه إلى ما سلف من جهود عظيمة مقدّرة؟

وهذا التساؤل منقوض بما للنص ومعانيه القرآني من خلود ودوام، وبما لجمله وكلماته وحروفه من وفرة لا تنقطع تحار الألباب في سبر أغوارها والوصول إلى منتهى غاياتها (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً)[109: الكهف].

ولا بد في هذا المقام من الاستشهاد بقول المفكر العظيم الشهيد سيد قطب في تعليقه على سورة النساء وما فيها من أحكام تشريعية كنظام الإرث وذلك في تفسيره القيم (في ظلال القرآن) إذ يقول رحمه الله: “إن الإسلام نظام للإنسان. نظام واقعي إيجابي. يتوافق مع فطرة الإنسان وتكوينه ويتوافق مع واقعه وضروراته, ويتوافق مع ملابسات حياته المتغيرة في شتى البقاع وشتى الأزمان, وشتى الأحوال. إنه نظام واقعي إيجابي, يلتقط الإنسان من واقعه الذي هو فيه, ومن موقفه الذي هو عليه, ليرتفع به في المرتقى الصاعد, إلى القمة السامقة. في غير إنكار لفطرته أو تنكر; وفي غير إغفال لواقعه أو إهمال; وفي غير عنف في دفعه أو اعتساف ! إنه نظام لا يقوم على الحذلقة الجوفاء; ولا على التظرف المائع; ولا على “المثالية ” الفارغة; ولا على الأمنيات الحالمة, التي تصطدم بفطرة الإنسان وواقعه وملابسات حياته, ثم تتبخر في الهواء!” ويقول رحمة الله عليه معلقا على نظام الإرث في الإسلام “إن هذا النظام في التوريث هو النظام العادل المتناسق مع الفطرة ابتداء; ومع واقعيات الحياة العائلية والإنسانية في كل حال. يبدو هذا واضحا حين نوازنه بأي نظام آخر, عرفته البشرية في جاهليتها القديمة, أو جاهليتها الحديثة, في أية بقعة من بقاع الأرض على الإطلاق. إنه نظام يراعي معنى التكافل العائلي كاملا, ويوزع الأنصبة على قدر واجب كل فرد في الأسرة في هذا التكافل . فعصبة الميت هم أولى من يرثه – بعد أصحاب الفروض كالوالد والوالدة – لأنهم هم كذلك أقرب من يتكفل به, ومن يؤدي عنه في الديات والمغارم فهو نظام متناسق, ومتكامل.

وهو نظام يراعي أصل تكوين الأسرة البشرية من نفس واحدة. فلا يحرم امرأة ولا صغيرا لمجرد أنه امرأة أو صغير. لأنه مع رعايته للمصالح العملية – كما بينا في الفقرة الأولى – يرعى كذلك مبدأ الوحدة في النفس الواحدة. فلا يميز جنسا على جنس إلا بقدر أعبائه في التكافل العائلي والاجتماعي. وهو نظام يراعي طبيعة الفطرة الحية بصفة عامة , وفطرة الإنسان بصفة خاصة .

فيقدم الذرية في الإرث على الأصول وعلى بقية القرابة . لأن الجيل الناشىء هو أداة الامتداد وحفظ النوع . فهو أولى بالرعاية – من وجهة نظر الفطرة الحية – ومع هذا فلم يحرم الأصول , ولم يحرم بقية القرابات . بل جعل لكل نصيبه . مع مراعاة منطق الفطرة الأصيل . وهو نظام يتمشى مع طبيعة الفطرة كذلك في تلبية رغبة الكائن الحي – وبخاصة الإنسان – في أن لا تنقطع صلته بنسله, وأن يمتد في هذا النسل. ومن ثم هذا النظام الذي يلبي هذه الرغبة, ويطمئن الإنسان الذي بذل جهده في ادخار شيء من ثمرة عمله, إلى أن نسله لن يحرم من ثمرة هذا العمل, وأن جهده سيرثه أهله من بعده. مما يدعوه إلى مضاعفة الجهد, ومما يضمن للأمة النفع والفائدة – في مجموعها – من هذا الجهد المضاعف . مع عدم الإخلال بمبدأ التكافل الاجتماعي العام الصريح القوي في هذا النظام وأخيرا فهو نظام يضمن تفتيت الثروة المتجمعة, على رأس كل جيل, وإعادة توزيعها من جديد. فلا يدع مجالا لتضخم الثروة وتكدسها في أيد قليلة ثابتة – كما يقع في الأنظمة التي تجعل الميراث لأكبر ولد ذكر, أو تحصره في طبقات قليلة – وهو من هذه الناحية أداة متجددة الفاعلية في إعادة التنظيم الاقتصادي في الجماعة, ورده إلى الاعتدال دون تدخل مباشر من السلطات . هذا التدخل الذي لا تستريح إليه النفس البشرية بطبيعة ما ركب فيها من الحرص والشح. فأما هذا التفتيت المستمر والتوزيع المتجدد ; فيتم والنفس به راضية, لأنه يماشي فطرتها وحرصها وشحها ! وهذا هو الفارق الأصيل بين تشريع الله لهذه النفس وتشريع الناس !!! “.